الشيخ محمد حسين الحائري
276
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
وبهذا يتضح سقوط الاحتجاج بالآية على المقصود ومنها أن مفهوم الآية ليس حجة في موردها وهو نسبة الارتداد إلى من ثبت إسلامه قبلها والتمانع من أداء بعض الحقوق الواجبة إليه فلا يكون لوصف الفسق مدخل في وجوب التبين أما الأول فلما روي في شأن نزولها من أن النبي صلى الله عليه وآله أرسل وليد بن عتبة إلى بني المصطلق ليأخذ منهم صدقاتهم فلما قرب إلى منازلهم خرجوا إليه ليتلقوه تعظيما لحقه فهابهم لما كان بينه وبينهم في الجاهلية من العداوة فهرب إلى النبي وأخبره بتمانعهم من أداء الصدقات وقد يروى أنه أخبر بارتدادهم فنزلت الآية وأما الثاني فلان قول العدل الواحد لا يقبل في مثل ذلك فلا يكون المنشأ في عدم قبول قول الوليد فسقه فيكون التعليق للتنبيه على فائدة غير المفهوم كتعيير المخبر وأجيب تارة بارتكاب التقييد في المفهوم فإنه مقدم على إلغائه بالكلية وأخرى بأن المراد تبينوا نبأه مطلقا وإن انضم إليه نبأ مثله فيدل بمفهومه على قبول نبأ العدل في الجملة ولو حيث ينضم إليه نبأ مثله ولا يخفى ما فيهما من التكلف المستشبع ومنها أن التعليل بقوله أن تصيبوا قوما بجهالة الآية يقتضي تخصيص الحكم بما إذا كان هناك إصابة وخوف ندامة على تقدير ظهور الخطأ فيختص بمورده ولا يتعدى إلى محل البحث والجواب أن الإصابة والندامة على تقدير ظهور الخطأ قد يتحققان في العمل بخبر الواحد في الاحكام أيضا كما إذا ورد في قصاص أو حد أو ما أشبه ذلك ويتم الكلام في الباقي بعدم القول بالفصل ويمكن الجواب أيضا بأن العبرة بعموم الحكم لا بخصوص التعليل لامكان وروده لتقريب الحكم إلى الفهم في محل الحاجة أو أن المراد أن العمل بخبر الفاسق مما يؤدي إلى الوقوع في مثل تلك المفسدة غالبا فلا بد من التحرز عن العمل به مطلقا فتدبر ويتوجه على الاحتجاج بهذه الآية أيضا إشكالان آخران تقدم ذكرهما في الآية السابقة وهما أنها خطاب إلى المشافهين فلا يثبت في حق غيرهم إلا بالاجماع وهو منتف في محل النزاع وأنها ظاهرة بعد تسليم دلالتها في المقصود والمسألة أصولية يطلب فيها بالقطع وقد تقدم الجواب عنهما الثالث قوله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون وجه الدلالة أن الموصولة بعمومها يتناول الأحكام الشرعية والتهديد على كتمانها يقتضي وجوب بيانها وإظهارها وهو يقتضي وجوب عمل السامعين بها وإلا لانتفي الفائدة في بيانها كما مر نظيره في الآية الأولى ويرد عليه وجوه منها أن المراد إنذار اليهود حيث كانوا يخفون أوصاف الرسول مما كان مذكورا عندهم في التوراة فلا تعلق له بالمقام ويمكن دفعه بأنه تخصيص لا شاهد عليه إذ على تقدير تسليم وروده في ردعهم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد وفيه تكلف ومنها أنه لا يتناول ما بينه الرسول أو الإمام عليه السلام إذا لم يكن مبينا في الكتاب كما هو محل الحاجة من خبر الواحد والجواب أن كل ما بينه الرسول أو الإمام عليه السلام فقد تبين في الكتاب ولو بعمومات الامر بالطاعة والتحذير عن المعصية أو بالخصوص كما يدل عليه قوله تعالى وأنزلنا إليك الكتاب تبيانا لكل شئ ولا يقدح عدم وقوفنا عليه في ظاهر الكتاب لجواز أن يكون بيانه في بعض مراتب بطونه ولا ينافيه اعتبار كون البيان للناس إذ ليس المراد به جميع الناس لعدم تحقق البيان لهم بل بعضهم ويكفي في صدقه تحققه بالنسبة إلى النبي والأئمة ولو خص الكتاب بالمتواترات كما هو الظاهر من السياق وبه صرح أهل التفسير كما مر في الوجه السابق سقط الجواب ومنها أن تحريم الكتمان مقيد بكونه مبينا في الكتاب فيكون القبول مقيدا به أيضا ولا بد من العلم بالقيد ومعه لا يبقى ثمرة لقبول الخبر ومنها أن الامر بالبيان لا ينحصر فائدته في وجوب العمل به مطلقا بل يكفي وجوبه إذا أفاد القطع وأنه خطاب إلى المشافهين فلا يتناول غيرهم وأنه ظاهر والمسألة أصولية يطلب فيها العلم وقد سبق ذلك كله بأجوبته الرابع قوله تعالى فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وجه الدلالة أنه تعالى أمر عند عدم العلم بمسألة أهل الذكر والمراد بهم إما أهل القرآن أو أهل العلم وكيف كان فالمقصود من الامر بسؤالهم إنما هو استرشادهم والاخذ بما عندهم من العلم والسؤال عند عدم العلم كما يقع عن حكم الواقعة كما هو شأن المقلد فيجاب بذكر الفتوى كذلك قد يقع عما صدر عن المعصوم من قول أو فعل أو تقرير كما هو شأن المجتهد فيجاب بحكايته ونقله وهو المعبر عنه بالخبر والحديث وقضية الامر بسؤالهم وجوب قبول ما عندهم فتوى كان أو رواية ما لم يمنع منه مانع فيدل على حجية أخبارهم كما يدل على حجية فتاويهم وتخصيصه بالثاني كما هو المعروف في كتب القوم بعيد لان الآية بظاهرها تفيد الاطلاق ولا يختص دلالتها بحجية إخبار المجتهدين بل مطلق أهل العلم أو أهل القرآن وإن خص في جانب الفتوى بالمجتهدين حيث لا يقصد حكايتها عنهم لما دل على عدم جوازها من غيرهم ولو سلم فيمكن إتمام الكلام في التعميم بعدم القول بالفصل ويشكل بأن سياق الآية محتملة لان يكون المراد بأهل الذكر علماء اليهود وإن لم يكن ظاهرة فيه وإن المراد مسألتهم عن أحوال الأنبياء السلف وكونهم رجالا لا ملائكة وذلك لان أعوام الكفار لما استبعدوا أن يكون النبي المبعوث من قبله تعالى إلى العباد بشرا كما حكى الله ذلك عن الأمم السالفة بقوله تعالى فقالوا أبشر يهدوننا وقالوا أبشرا منا واحد نتبعه وقالوا لو شاء الله لأنزل ملائكة وأمثال ذلك ردهم الله تعالى بأن الأنبياء الذين أمنوا بنبوتهم من المرسلين قبله صلى الله عليه وآله ما كانوا ملائكة وإنما كانوا رجالا وأمرهم بمسألة علمائهم عن ذلك إن كانوا جاهلين به فهو خاص باعتبار السائل والمسؤول عنه فلا يتناول المقام إلا بتعميم المواضع الثلاثة والبعض منه ممنوع فضلا عن الكل فإن قلت قد ورد في بعض الأخبار أن ليس المراد بأهل الذكر